محمد متولي الشعراوي
6292
تفسير الشعراوى
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفا القرآن : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ . . ( 1 ) [ هود ] ومادة الحاء والكاف والميم « 1 » تدل على أمر محسّ وهو إتقان البناء ، بحيث يمنع عنه الفساد ؛ فلا خلل فيه ، ولا تناقض ، ولا تعارض ولا انهيار . ولا بد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء ؛ حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد ، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله . هذا هو إحكام البناء في عالم المحسّات . وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن ، وهو الجامع لكل المنهج بأنه : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ . . ( 1 ) [ هود ] فخذوا من هذا الإحكام « 2 » ما يمنع فسادكم ؛ لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه ، وعقد منع الفساد يكون الإصلاح والصلاح . ولو نظرت إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة ، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام ، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاما وفصولا ونجوما .
--> ( 1 ) أحكم الأمر : أتقنه . قال تعالى : ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ . . ( 52 ) [ الحج ] ، أي : يبينها ويجعلها متقنة مقنعة محكمة ، وآيات محكمة : متقنة مقنعة واضحة ، وقيل : محكمة غير منسوخة أو محكمة غير متشابهة فلا تحتاج إلى تأويل ، قال تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . . ( 7 ) [ آل عمران ] ، وقال تعالى : فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ . . ( 20 ) [ محمد ] . أي : متقنة . [ القاموس القويم ] . ( 2 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3320 ) : « أحسن ما قيل في معنى : أُحْكِمَتْ آياتُهُ . . ( 1 ) [ هود ] قول قتادة ، أي : جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل ، والإحكام منع القول من الفساد ، أي : نظمت نظما محكما ، لا يلحقها تناقض ولا خلل » .